الشيخ محمد هادي معرفة
73
التفسير الأثرى الجامع
حياة شريفة ، وحياة عائليّة مطمئنّة « 1 » . جعل عدّتها أربعة أشهر وعشرا - ما لم تكن حاملا فعدّتها أن تضع حملها - ولا تجرح أهل الزوج في عواطفهم بخروجها لتوها . وفي أثناء هذه العدّة تلبس ثيابا محتشمة ولا تتزيّن للخطّاب . فأمّا بعد هذه العدّة فلا سبيل لأحد عليها ، سواء من أهلها أو من أهل الزوج ، ولها مطلق حرّيّتها فيما تتّخذه لنفسها من سلوك شريف في حدود « المعروف » . فلها أن تأخذ زينتها المباحة ، ولها أن تتلقّى خطبة الخطّاب ، وتتزوّج ممّن ترتضي ، لا تقف في سبيلها عادة بالية ولا كبرياء زائفة . وليس عليها من رقيب إلّا اللّه وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ . هذا شأن المرأة ؛ ثمّ يلتفت السياق إلى الرجال الراغبين فيها في فترة العدّة ، فيوجّههم توجيها قائما على أدب النفس وأدب الاجتماع ، ورعاية المشاعر والعواطف ، مع رعاية الحاجات والمصالح : وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ . نعم كانت المرأة لا تزال معلّقة القلب بذكرى لم تمت ، وبمشاعر أسرة الميّت ، ومرتبطة كذلك بما قد يكون في رحمها حمل لم يتبيّن ، أو حمل تبيّن والعدّة معلّقة بوضعه ، وكلّ هذه الاعتبارات تمنع الحديث عن حياة زوجيّة جديدة ، حيث لم يحن موعده ولأنّه يحرج مشاعر ويخدش ذكريات . إذن فمع رعاية هذه الاعتبارات فقد أبيح التعريض - لا التصريح - بخطبتهنّ ؛ أبيحت الإشارة البعيدة الّتي تلمح منها المرأة أنّ هذا الرجل يريدها زوجة بعد انقضاء عدّتها . [ 2 / 6844 ] وقد روي عن ابن عبّاس : أنّ التعريض مثل أن يقول : إنّي أريد التزويج . وإنّ النساء لمن حاجتي . ولوددت أنّه تيسّر لي امرأة صالحة « 2 » . كذلك أبيحت الرغبة المكنونة أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ الّتي لا يصرّح بها لا تصريحا ولا تلميحا ؛ لأنّ اللّه يعلم أنّ هذه الرغبة لا سلطان لإرادة البشر عليها عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ . وقد أباحها اللّه ، لأنّها تتعلّق بميل فطري ، حلال في أصله ، مباح في ذاته ، والملابسات وحدها هي الّتي تدعو إلى تأجيل اتّخاذ الخطوة العمليّة فيه ، والإسلام يلحظ أن لا يحطّم الميول الفطرية إنّما يهذّبها ، ولا يكبت النوازع البشريّة إنّما يضبطها . ومن ثمّ نهى فقط عمّا يخالف نظافة الشعور
--> ( 1 ) راجع : في ظلال القرآن 1 : 373 . ( 2 ) البخاري 6 : 131 .